محمد بن جرير الطبري

6

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الشاهدين الذين يشهدون أن ما أنزلته إلى رسولك من الكتب حق ، كان صوابا ؛ لأن ذلك خاتمة قوله : وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ وذلك صفة من الله تعالى ذكره لهم بإيمانهم لما سمعوا من كتاب الله ، فتكون مسألتهم أيضا الله أن يجعلهم ممن صحت عنده شهادتهم بذلك ، ويلحقهم في الثواب والجزاء منازلهم . ومعنى الكتاب في هذا الموضع : الجعل ، يقول : فاجعلنا مع الشاهدين ، وأثبتنا معهم في عدادهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم في هذه الآيات ، أنهم إذا سمعوا ما أنزل إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من كتابه ، آمنوا به وصدقوا كتاب الله ، وقالوا : ما لنا لا نؤمن بالله ؟ يقول : لا نقر بوحدانية الله وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ يقول : وما جاءنا من عند الله من كتابه وآي تنزيله ، ونحن نطمع بإيماننا بذلك أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ يعني بالقوم الصالحين : المؤمنين بالله المطيعين له ، الذين استحقوا من الله الجنة بطاعتهم إياه . وإنما معنى ذلك : ونحن نطمع أن يدخلنا ربنا مع أهل طاعته مداخلهم من جنته يوم القيامة ، ويلحق منازلنا بمنازلهم ودرجاتنا بدرجاتهم في جناته . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ قال : " القوم الصالحون " : رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه . القول قي تأويل قوله تعالى : فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا يقول تعالى ذكره : فجزاهم الله بقولهم : ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ، وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ، ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين يعنى : بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار يقول : دائما فيها مكثهم ، لا يخرجون منها ولا يحولون عنها . وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ يقول : وهذا الذي جزيت هؤلاء القائلين بما وصفت عنهم من قيلهم على ما قالوا من الجنات التي هم فيها خالدون ، جزاء كل محسن في قيله وفعله . وإحسان المحسن في ذلك أن يوحد الله توحيدا خالصا محضا لا شرك فيه ، ويقر بأنبياء الله وما جاءت به من عند الله من الكتب ، ويؤدي فرائضه ، ويجتنب معاصيه ، فذلك كمال إحسان المحسنين الذين قال الله تعالى : جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ يقول تعالى ذكره : وأما الذين جحدوا توحيد الله ، وأنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وكذبوا بآيات كتابه ، فإن أولئك أصحاب الجحيم ، يقول : هم سكانها واللابثون فيها . والجحيم : ما اشتد من النار ، وهو الجاحم والجحيم . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ، وأقروا بما جاءهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم أنه حق من عند الله لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ تحريم ما أحل الله يعني بالطيبات : اللذيذات التي تشتهيها النفوس وتميل إليها القلوب ، فتمنعوها إياها ، كالذي فعله القسيسون والرهبان ، فحرموا على أنفسهم النساء والمطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة ، وحبس في الصوامع بعضهم أنفسهم ، وساح في الأرض بعضهم . يقول تعالى ذكره : فلا تفعلوا أيها المؤمنون كما فعل أولئك ، ولا تعتدوا حد الله الذي حد لكم فيما أحل لكم وفيما حرم عليكم فتجاوزوا حده الذي حده ، فتخالفوا بذلك طاعته ، فإن الله لا يحب من اعتدى حده الذي حده لخلقه فيما أحل لهم وحرم عليهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني أبو